ابن قيم الجوزية
498
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وكذلك الكذب معه في الأعمال : بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين ، والزاهدين المتوكلين . وليس في الحقيقة منهم . فلذلك كانت الصديقية : كمال الإخلاص والانقياد ، والمتابعة للخبر والأمر ، ظاهرا وباطنا ، حتى إن صدق المتبايعين يحلّ البركة في بيعهما . وكذبهما يمحق بركة بيعهما . كما في « الصحيحين » عن حكيم بن حزام رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا . فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما . وإن كذبا وكتما : محقت بركة بيعهما » . كلمات في حقيقة الصدق قال عبد الواحد بن زيد : الصدق الوفاء للّه بالعمل . وقيل : موافقة السر النطق . وقيل : استواء السر والعلانية . يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته . كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه . وقيل : الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة . وقيل : كلمة الحق عند من تخافه وترجوه . وقال الجنيد : الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة . والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة . وهذا الكلام يحتاج إلى شرح . وقد يسبق إلى الذهن خلافه ، وأن الكاذب متلون . لأن الكذب ألوان ، فهو يتلون بتلونه . والصادق مستمر على حالة واحدة . فإن الصدق واحد في نفسه ، وصاحبه لا يتلون ولا يتغير . لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا . فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكاذب المرائي ، بل هو فارغ منها . فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين . ولا يعارضهم الشيطان ، كما يعارض الصادقين . فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها . وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها . فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل . ومن حال إلى حال . ومن سبب إلى سبب . لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها . ومكان وسبب : أن يقطعه عن مطلوبه . فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه . فهو كالجوّال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء . والأحوال والأسباب تتقلب به ، وتقيمه وتقعده ، وتحركه وتسكنه ، حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه . وهذا عزيز فيها . فقلبه في تقلب ، وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه . وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال ، أو يساكن شيئا غيره . فهو كالمحب الصادق ، الذي همته التفتيش على محبوبه . وكذا حال الصادق في طلب العلم ، وحال الصادق في طلب الدنيا . فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار . ولا يدوم على حالة واحدة . وأيضا : فإن الصادق مطلوبه رضى ربه ، وتنفيذ أوامره ، وتتبع محابه . فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها . ويستقل معها أين استقلّت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في